ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )

243

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر

فيسوء حال الفارس والفرس والكلب ، وإن كان المتبوع هو الفرس تقحمت الجبال والآكام للمرعى وأخذت عن الطريق يمينا وشمالا وركبت الوعر والشوك ، فيسوء حال الفارس والكلب والفرس ، وإن كان المتبوع هو الفارس سلك بهم جادة الطريق وأوردهم عذب الماء من شريعته وأطيب العلف في الوادي السهل ، فيحسن حال الفرس والكلب والفارس . فالمتبوع الأول هو الهوى ، والمتبوع الثاني الشهوة والحرص ، والمتبوع الثالث العقل . أقول : اعلم أن من جملة العوارض النفسانية والأمور الشيطانية الوسوسة بالنية ، فالنية بمنزلة الرأس من الجسد والوالد من الولد وقد أشار سيد المرسلين محمد خاتم النبيين صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى هذا المعنى في قوله : « إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى » ، فبدونها ليس للأعمال ثبات بل هي كالهباء ، وقد يعرض للإخوان عند تحصيلها عوارض من الشيطان ليفسد عليه عمله ، ويثبت بذلك زلله فيرميه في أهواء الأباطيل بكثرة ما يلقي عليه من الأهاويل ، وقد أخرج بذلك كثيرا من أهل العقول عن مقدمات الخير ومواطن الوصول حتى عدّوا في المجانين ، وصاروا من الهموم والأحزان من الفانين ، وإذا لقيت الواحد منهم تراه مبهوتا في أسر الشيطان مكفوتا ، فإذا قلت له : لم لا تنزجر عن هذا الحال مع أنك تعده من أحوال أهل الضلال ؟ يتعلل بتعللات فاسدة ويخرج في اعتقاده عن القاعدة ، فيزعم أنه قادر على الإتيان بالنية على الطريقة الشرعية ، مع أنه يعد نفسه من جملة المكلفين ، بل عنده أنه من المستخرجين ولم يدر أن قول ذلك رد على حكم الحاكمين ، إذ نسبه إلى أنه كلفه ولم يعطه القدرة على ما به يتوصل على فعل التكليف ، بل وجب عليه ما هو خارج عن حد التكليف ، وذلك زيغ ظاهر وضلال قاهر ، نعوذ باللّه من مصائد رديئات الأفكار ووساوس ظلمات الاعتكار . وها أنا أبين لك أيها الأخ خطأ سالك هذه المسالك وما هو عليه من الضلال الهالك ، فأقول : إن المتصف بذلك في ظلمات الجهل مرتبك وعن سبيل النور مبعد ، فهو في الشبهات منهمك لأن النية أمر قلبي إرادي لا يتوقف على تحصيل أمر خارجي بل تحصّل بقصد جزئي ، وحكم العبادات حكم سائر الأفعال الإراديات الواقعة بحسب القصد الجزئي ، لأن العبادة فعل جزئي إنما يحتاج المكلف إلى قصد جزئي يتوصل به إلى فعلها على الصفات التي اعتبرها الشارع ، وذلك أمر سهل وقصد واقع أعطاه المكلف عند جميع أفعاله الاختيارية ، لأن وقوعها جميعا موقوف على النية ، والعجب كل العجب من ذوي